Saturday, May 17, 2014

المصالحة أيضا بحاجة لموظفين تكنوقراط

يعتبر 14 حزيران يوما أسودا في حياة الشعب الفلسطيني ومنذ أن نقش هذا اليوم من العام 2007 برصاص الانقسام ودماء الضحايا وصرخات المعتقلين وحطام المواقع والبيوت ، وحال شعبنا يسير من سيء لأسوأ باستثناء أولئك " القادة الوطنيين ". وفجأة قرر هؤلاء الوطنيون وإن خفيت الأسباب وصدقت النوايا طي هذه الصفحة وإعادة اللحمة لشطري الوطن. وبناء علي هذا القرار سيعتبر هذا اليوم من الشهر القادم هو يوم نصر واحتفال لالتقاط الصور، وسنصنع ابتسامة من آلامنا وسنحبس دموعنا وسنلحن من صراخنا هتافا لفلسطين والوحدة الوطنية وسنطبع للقتلة وتجار الدم صورا مزينة بعلم فلسطين في عقول أجيالنا وسنضيف لسواد هذا اليوم ألوانا أخري كالأحمر، الأخضر والأبيض ليصبح يوما فلسطينيا نعتز به شئنا أم أبينا فنحن شعب مسامح وغفور ومبدعون في نسيان وتناسي أولئك المجرمين الذين نعرفهم جيدا ونكتشفهم  وننساهم مجرد اختفائهم من شريط الأخبار .
وحتي لا نغوص في التفسيرات والتخمينات في كواليس المصالحة أو إدارة الصراع والمصالحة كخيار وحيد أمام قطبي الصراع ونعتمد التصاريح الاعلامية  وفهلوة المواقع الاعلامية في صناعة الأخبار الكاذبة لجذب القراء وأتعب نفسي وأتعبكم ، ونظرا لشح المعلومات وتكتم طرفي الصراع،  فلن أكتب عن  أسباب المصالحة ونتائجها، علي سبيل المثال تشكيل  الحكومة ووزرائها والانتخابات ومنظمة التحرير والملف الأمني ولجنة الحريات واللجنة الاجتماعية ومعبر رفح والمعتقلين السياسيين وغيرها من التحديات التي يؤكد لنا سهولة التوصل لتوافق بشأنها  رغم تعثرها علي مدار السنين السوداء. وإن لم نعرفها حاليا سنعرفها مع الأيام منهم أو من قناة الجزيرة وغيرها من القنوات عند لزوم حاجتها ووقتها المناسب في صناعة مرحلة جديدة.
وقد يختلف ماضي الانقسام عن حاضره فقط بواقع أقسي علي الفلسطينيين زرعوه بأمل ملئ بالخوف والحذر من التصادم مجددا،  وتخوف المنتفعين من الانقسام من انتكاس حالهم فور تحقيق المصالحة علي أرض الواقع ، ورغم أملي بنجاح المصالحة الحقيقية والوطنية الا أنني ما استطعت أن أغفل هذه السنوات السابقة من ذهني وتجاهل تقييم إنجازات الطرفان في هذه المرحلة والتي كان يتعجرف كل طرف بنجاحه وصواب خياره ،  وأنا علي يقين أن الشعب لم يكن أولوية بقدر أولوية الحزب وعناصره وبرنامجه السياسي . واذا نظرنا بعمق إلي حال قطبي الصراع منذ ولادة الانقسام حتي  الواقع  المفترض لإنهائه  فسنجد أن هناك الكثير من المتغيرات التي طرأت علي حال الحزبين في كثير من الأصعدة :
الصعيد  التنظيمي :
ليس من السهل التأكد من فرضية الانقسام داخل حركة حماس سواء في الداخل أو الخارج باتجاه الكثير من القضايا الوطنية والاقليمية وإن كنا نسمع عن اختلاف في المواقف بالتزامن مع حرصهم الدائم علي نفي ذلك وإشعار الجمهور بوحدة حركتهم . تحرص حركة حماس علي التواصل مع عناصرها ومتابعة أوضاعهم اجتماعيا وماليا ، كما يحرص عناصر الحركة علي عدم التشهير بسلبيات حركتهم بل الدفاع حتي عن أخطائها  في كل مكان وزمان. تعمل قيادة حماس علي اعطاء فرص كثيرة لتولي الجيل الشاب مواقع متقدمة  في كثير من المواقع وبرز منها المواقع القيادية والاعلامية والمؤسساتية .
وفي المقابل لا يصعب علي الكثيرين تقييم الوضع التنظيمي لحركة فتح  التي تعاني منذ فترة طويلة من الانشقاقات وتحديدا منذ دخول الحركة في مشروع التسوية واتفاقات السلام وصولا الي التيار القديم والعرفاتيين و الصراع المخجل بين تيار دحلان وأبومازن خصوصا بعد الاتهامات المتبادلة التي وصلت الي الخيانة وارتكاب الجرائم والفساد والتي اختفت دونما محاسبة أو حتي تشكيل لجنة للتدقيق بمدي صحتها ومحاسبة المجرمين ، إضافة الي الفجوة الكبيرة بين قيادة الحركة وعناصرها ، ووجود مجموعة من الأشخاص الذين يشكلون حائطا منيعا أمام  وصول قيادة شابة الي أماكن صنع القرار داخل الحركة. تعاني  فتح من ظاهرة نتجت عن إقالة أو استنكاف الكثير من الشخصيات والذين ما إن أقيلوا أو استقالوا من منصبهم  حتي بدأوا بكيل الاتهامات والتخوين وكتابة المذكرات وتوثيق لحظات وجودهم بجانب ياسر عرفات وكتابة مقالات أسبوعية لتصفية حساباتهم والتي تساهم بشكل كبير في إضعاف الوضع التنظيمي للحركة. 
الصعيد السياسي:
تختلف حماس وفتح بالبرنامج  السياسي ولكنهما يتشابهان فيما خلص اليه كل برنامج ألا وهو الفشل والمكابرة واللاواقعية وغياب البدائل والتخطيط الاستراتيجي. لا يعني تعنت الاحتلال وإرهابه وغياب موازين القوي والضعف العربي وانحياز الدول العظمي  مبررا للتهرب من مسئوليات الحركتين وكامل القوي الفلسطينية إلي ما وصلنا اليه من ضياع وتخبط ، ولعل هذا الفشل كان سببا في خطوة ايجابية بوصول الطرفين الي اتفاق المصالحة والتي أتمني أن لا تكون فقط مخرجا من حالة الفشل، وإن كان ذلك فسيشكل بالتأكيد واقعا أسوأ للتصادم بين الحركتين عند أول عرض مغري مقابل الاستمرار في تضييع الوقت والبقاء في الدائرة المفرغة علي حساب الشعب المذل بلقمة عيشه.  إن تباهي وانتماء حركة حماس لحركة كالإخوان المسلمين أثر عليهم وعلي الشعب سلبا ويقلل من البعد الوطني لها ويغرقنا في مشاكل أكثر مما يغرقهم ، ويحسب لحركة فتح محاولاتها الحريصة  علي عدم التدخل في صراعات إقليمية ولكنها بحاجة الي إشراك الشعب و الفصائل بشكل أقوي في قضايا سياسية ووطنية .
الصعيد الأمني:
كانت تعاني حركة حماس من ضعف  الخبرة في الأجهزة الأمنية  قبل الانقسام وحاولت مرارا أثناء الحكومة التي شكلتها بعد انتخابات 2006 من تنصيب عناصرها في أجهزة وزارة الداخلية إلا أنها واجهت الكثير من التصادم مع قادة هذه الأجهزة وعدم التزامهم بقرارات وزير الداخلية آنذاك مما أفرز القوة التنفيذية التي تصادمت مع الأجهزة الأمنية ومن ثم سيطرت بمساعدة الجناح المسلح لحماس علي قطاع غزة. قامت كل من حكومة حماس وحكومة فتح أو السلطة ببناء أجهزة قوية تتبع لها وتشكل أساسا في بقاء الحكومة بقوة السلاح في كل من الضفة وغزة. تشابهت الحكومتين في قمع الحريات والاعتقالات المتبادلة بين الطرفين وإرهاب المواطنين وقمع المقاومين ، واستثمر الطرفان وقت الانقسام ببناء أجهزة أمنية قوية ومدربة ، ولم تعد حكومة حماس بحاجة الي شرطة وجنود السلطة وفي المقابل تم فصل أي شخص يعمل مع حكومة حماس والاستمرار بنهج البحث الأمني علي موظفي السلطة وانتمائهم لحركة حماس. إذا كان هناك مصالحة يعني أن الطرفان سيعملان سويا بالتزامن مع امتلاك الحركتين خبرات لا يمكن التقليل من شأنها حيث لم يعد عناصر حماس في وزارة الداخلية كما كانوا قبل الانقسام ، و لم تعد خبرات وأجندات فتح في وزارة الداخلية كما هي ، الطرفان لديهم أشخاص ذو خبرة ولكن ضمن أجندة سياسية وأمنية مختلفة. 
الصعيد الاعلامي:
لست متأكدا من امتلاك حركة حماس أكثر من محطة راديو وقناة تلفزيونية أرضية وموقع اخباري وعدد قليل من الكتاب والصحافيين التابعين أو الموالين لها قبل الانقسام ، ولكني متأكد من النقلة النوعية التي تصل حد التبذير في إنفاق الحركة علي الصعيد الاعلامي أثناء الانقسام حيث عملت حركة حماس ووزارة الاعلام علي تطوير كادر بشري ومادي يدعم ويوصل رسالة الحركة داخليا وخارجيا . بينما نجد أن حركة فتح لم تطور أدائها الإعلامي علي صعيد الحركة أو السلطة مقارنة بحركة حماس، وإن وجدت لا تصل من وجهة نظري الي الجودة والنوعية والكمية المطلوبة التي تليق بوزن حركة فتح في الشارع الفلسطيني ، بالإضافة الي كثرة المواقع التي تحمل أو تربط نفسها بحركة فتح والتي ساهمت بشكل ملحوظ في تصفية الحسابات بين قادة فتح وإضعاف قوتها الجماهيرية ووحدتها التنظيمية.
كما تنسحب المقارنة بين الحركتين علي أصعدة أخري كالصعيد المالي واستثمارات الحركتين حيث تستثمر حركة حماس أموالها في مشاريع تجارية، كما تخفي حجم ميزانية الحركة ومدي خلطها بأموال الحكومة وأموال التبرعات ومدي تفشي الفساد المالي،  في الوقت الذي تعاني فيه فتح من الأموال التي تم سرقتها والاتهامات المتبادلة بخصوص صندوق الاستثمار وقضايا الفساد وخلط أموال فتح بأموال السلطة.  كما أن حركتي حماس وفتح ساهمتا في انقسام الفلسطينيين في الخارج والاقتتال في مخيمات اللجوء وتشكيل جاليات خارج السفارات وداخلها تعمل بأجندات حزبية.  لم نسمع أن حركة فتح شكلت لجنة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفرضت قيود علي حريات المواطنين الدينية ومعتقداتهم وفي المقابل قامت حركة حماس بل ارتكبت جريمة قتل باسم الدين والأخلاق مثل حادثة قتل المرحومة يسري العزامي وتدخلت حتي في شكل الملابس وقص الشعر وفرضت قيودا علي الاحتفالات وأغلقت مؤسسات كمنتدي شارك الشبابي وزرعت التطرف في عقول الكثير من الشباب .
   أنا أعتقد أن الحركتين لديهما مصلحة مشتركة من المصالحة كما أنهما بكل تأكيد استفادا من الانقسام ، وجهز كل طرف دولة داخل حلم أو وهم الدولة ، وهذه الاستفادة ستقود الطرفين إلي التصادم الخطير في حال وجود مصالحة هشة  بناء علي المتغيرات التي طرأت علي حال الحركتين أثناء فترة الانقسام .وفي ظل هذه المتغيرات وللقضاء علي فرضية استثمار إحدى الطرفين لإنجازاته وحتي لا يكون هناك مستفيد من المصالحة ورابح وخاسر، ولربط المصالحة بالقضية الوطنية لا بالمصالح الحزبية للطرفين والولاء لأجندات خارجية  ، فلا بد من وجود ضمانات قوية لتحقيق المصالحة مثل وجود برنامج وطني ودستور دولة قانون تجمع عليه وتلتزم ببنوده كافة الفصائل بحضور قوي لسلطة الشعب وخاصة ما يتعلق بالبرنامج السياسي الوطني المجمع عليه داخليا والمقبول خارجيا ، ودستور يضمن توفير الأمان وتطبيق القانون تحت سيادة قضاء مستقل والذي يساهم بشكل كبير بتجنب الصراع بين الحركتين. إن وجود هذه الضمانات لا يقل أهمية عن تشكيل  حكومة لتسيير الأمور الحياتية للشعب، وإن كان الخيار الأنسب هو حكومة تكنوقراط ، فلابد أيضا من موظفين تكنوقراط خاصة وأن الحركتين حرصتا علي تطوير كادر بشري تابع لأجندات حزبية.
وفي أسوأ الأحوال إن لم تكن المصالحة حقيقية ، نكون قد تعلمنا من أخطائنا وتحديدا ماجري من تعطيل لعمل الوزارات والحياة اليومية للمواطنين تحت مبررات الانقسام وأجندات حركتي فتح وحماس، وقد شكلنا حكومة مستمرة في تقديم خدماتها للمواطنين وقضاء مستقل لتطبيق القانون إن لا سمح الله قرر هؤلاء الوطنيون ذبح الوطن مرة أخري.    


No comments: